العراقية والسورية الأكثر وحشية: سجون الشرق الأوسط وانتهاكات حقوق الإنسان

by Euphratespost

أحمد طلب الناصر

مدخل

من أكثر العبارات المتداولة بين من تعرّض للاعتقال داخل سجون دول العالم العربي، والتي تدلّ بوضوح على حجم الانتهاكات الممارسة بداخلها من قبل أنظمتها، هي عبارة “الداخل مفقود والخارج مولود!”

فبينما تخلو السجون في دول العالم المتطورة من معتقلي الرأي والسياسة، واقتصارها على المجرمين المحكومين طبقاً للقانون المتعلّق بالقضايا المدنية والجزائية والجنائية؛ وبينما تُعدّ تلك السجون عبارة عن مراكز لتأهيل السجناء، وتثقيفهم أخلاقياً، وتحضيرهم نفسياً للاندماج الفاعل داخل مجتمعاتهم مستقبلاً؛ نجدها في المنطقة العربية عبارة عن معسكرات لتنفيذ العقوبات، وممارسة أشدّ الأشكال عنفاً للانتهاكات الجسدية والنفسية، والتي غالباً ما تستهدف معتقلي الرأي والسجناء السياسيين، الخاضعين لقوانين استثنائية خاصة ببلدان تلك المنطقة، تمّ سنّها لتناسب مزاج الأنظمة الشمولية الحاكمة فيها.

وسنحاول في هذه الورقة تسليط الضوء على السجون السياسية الموزّعة داخل بعض الدول العربية، والانتهاكات التي يتعرض لها السجناء السياسيين على اختلاف تياراتهم.

وقد تم اعتماد السجون المذكورة لطرحها كنماذج تغطي الجغرافيا العربية الموزّعة بين الشرق الأوسط والشمال الأفريقي، وهي لا تشمل جميع الدول العربية، وبالتالي ليست بالضرورة أن تكون الأشد انتهاكاً، إلا أن أسماءها هي الأكثر انتشاراً وتأثيراً في أذهان أبناء مجتمعاتها، والأوسع تداولاً في الإعلام الدولي وتقارير المنظمات الحقوقية نظراً لارتباطها المباشر بالانتهاكات المختلفة، والتي تتفاوت فيما بينها؛ ما دعانا لتناول تلك التي أشدها وحشية ضمن الأبواب الأخيرة من هذه الورقة، والمقصود بها السجون السورية.

  • سجن “الرزين” الإمارات:

يقع سجن الرزين في إمارة أبو ظبي، ويبعد عن مركز الإمارة 110 كيلومترًا داخل الصحراء، بدأت عملية بنائه منذ تسعينيات القرن الماضي ليتم تدشينه في العام 2010.

ويصنفه المركز الدولي لدراسات السجون في عام 2016 من بين السجون العربية الأكثر سوءاً.

يواجه المعتقلون والسجناء، أبشع أنواع الانتهاكات والفظاعات والتعذيب الوحشي النفسي والجسدي، ابتداء من الاعتقال دون إذن قضائي والتقييد لساعات طويلة، وليس انتهاء بالحبس الانفرادي. ويشمل التعذيب نزع كافة ملابس السجناء الداخلية والتفتيش العاري بواسطة الحراس، فضلاً عن حفلات التعذيب التي تشمل الضرب بالكرابيج، ووضع العصا في الدبر، ونزع الأظافر، والكي بالكهرباء، والحرمان من النوم، والتبريد الشديد، وسياسة التجويع، ومنع الزيارات([1]).

يضم السجن 11 عنبرًا، وكل عنبر مراقب بأكثر من ثلاثين كاميرا؛ وهناك مئات النزلاء بينهم مائة معتقل إماراتي يقبعون خلف أسواره، ولا تسمح السلطات لذوي المعتقلين بزيارتهم؛ وتم اختطاف بعضهم من عائلاتهم، الذين أكدوا أن التنكيل يمتد إلى تلك عائلات في بعض الأحيان؛ وكنموذج لذلك أن ثلاث شقيقات تم اعتقالهن لمجرد كتابتهن تغريدة يسألن فيها عن مصير شقيقهن المعتقل بلا محاكمة ([2]).

ويعد معتقلو القضية المعروفة إعلاميا “بالإمارات 94” الفئة الرئيسة التي تقبع في سجن الرزين، وتتكون من مسؤولين حكوميين وأكاديميين وناشطين حقوقيين، وهؤلاء جميعهم تقدموا في مارس/آذار 2011 بقائمة مطالب إصلاحية، وذلك عقب انطلاق ثورات الربيع العربي؛ وفي يوليو/تموز 2013 صدرت بحقهم الأحكام، وذلك بسجن 56 إماراتيًا عشر سنوات، وسبع سنوات لخمسة آخرين، والحكم غيابيًا على ثمانية مواطنين لمدة 15 سنة ([3]).

وعن الانتهاكات داخل السجن، ذكر الدكتور “أحمد غيث السويدي” أحد معتقلي الرأي السالفين، أثناء محاكمته في مارس 2013: “لقد علقت من ساقيَّ عدة مرات على قضيب حديد في وضعية جدُّ مؤلمة، حيث وُضع القضيب معلقاً بين كرسيين وقُيدت يداي بسلسلة حديدية تركت آثارها حتى اليوم. ثم قاموا بسكب الماء البارد على رأسي وجسمي”.

  • سجن رومية – لبنان

أكبر السجون في لبنان، ويقع في شرق العاصمة بيروت. وتبلغ طاقته الاستيعابية 1500 سجين بينما يقدر عدد السجناء القابعين فيه بما بين 3000-4000 سجين. وبني هذا السجن عام 1970.

معظم سجناء سجن رومية هم من الإسلاميين، ويشتهر السجن بكثرة أحداث التمرد خلاله بسبب سوء المعاملة، وقد كان سجن رومية محطّ اهتمام الإعلام والمنظمات الحقوقية إثر تسرب مقاطع فيديو أظهرت عملية تعذيب للسجناء داخل السجن في شهر حزيران/ يونيو 2015.

وأثارت مقاطع الفيديو المسربة لمشاهد تعذيب سجناء إسلاميين على أيدي ضباط لبنانيين، يتبعون لحزب الله اللبناني، داخل سجن “رومية”، ردود فعل شعبية غاضبة تلتها مظاهرات في عدة محافظات لبنانية.

وكانت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة نشرت تقريرًا نهاية عام 2014 تضمن الإشارة إلى ممارسات التعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية في لبنان. وأشار التقرير إلى أن التعذيب في السجون والمقارّ الأمنية والعسكرية اللبنانية أمر “شائع وممنهج”؛ ورغم توثيق عشرات المنظمات غير الحكومية الكثير من الحالات التي ارتكبت فيها القوى الأمنية والعسكرية أعمال تعذيب في لبنان، لا تزال السلطات اللبنانية تبرر هذه الافعال بذريعة مكافحة الإرهاب([4]).

وعلى الرغم من الرقابة الأمنية المشددة، إلا أن هذا السجن يعتبر من أكثر السجون انتشاراً لأصناف وأنواع المخدرات، إضافة إلى وسائل الاتصال المختلفة؛ وتُرتكب بداخله العديد من جرائم القتل والاعتداء نتيجة انتشار العصابات والمحسوبيات؛ ويشرف عناصر تابعون لحزب الله على معظم أساليب التعذيب الممارسة داخل السجن.

  • سجن الحائر- السعودية

وهو سجن ذو حراسة مشددة تشرف عليه المباحث العامة السعودية (بمثابة المخابرات العامة أو أمن الدولة)، ويقع السجن على بعد 29 كيلومتر إلى الجنوب من وسط العاصمة الرياض ويعتبر أكبر سجن سياسي في السعودية، وتم افتتاحه عام 1983([5]).

معظم المعتقلين داخل السجن هم من المدانين في قضايا إرهاب، ومن ضمنهم من نفذوا هجمات لتنظيم القاعدة داخل السعودية، ومدانون من “داعش”؛ كما يحتوي على سجناء سياسيين تحدث البعض أنه تم توقيفهم دون محاكمة أو توجيه تهم إليهم([6]).

في نيسان/ أبريل 2007 نشرت “هيومن رايتس ووتش” شهادات قالت أنها لمعتقلين التقت بهم في سجن الحائر شهدوا على موت سجناء بسبب سوء الرعاية الطبية والتعذيب([7]).

وفي منتصف عام 2012، وبسبب سوء الأوضاع في السجن، حصلت اضطرابات و أحداث شغب من قبل المعتقلين و قاموا بالاشتباك مع رجال الأمن و سيطروا على بعض العنابر و الأجنحة في السجن مما نتج عن إصابات في صفوفهم و في صفوف رجال الأمن و قام أهالي المعتقلين بالتجمع و التجمهر خارج السجن بعد أنباء عن أن قوات الطوارئ الخاصة تستعد لاقتحام السجن([8]).

إلا أن أشد الحوادث التي حصلت في سجن الحائر كان في عام 2002، حين قام أحد السجناء بتدبير حريق كبير داخل السجن، ما تسبب في مقتل 140 سجيناً و40 حارسًا ([9]).

 وفي نهاية عام 2011 نشرت جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية تقريراً قالت فيه أن قوات مكافحة الشغب ضربت أفراد أسرة أحد المعتقلين وكسرت يد والدته بعد أن أصروا على البقاء في غرفة الزيارة إلى أن يسمح لهم بمقابلة مسؤولي السجن لطلب نقله ([10]).

ومن بين أهم الأحداث التي شهدها مؤخراً سجن الحائر، هو إيداع أمراء سعوديين أمر بتوقيفهم ولي العهد الحالي “محمد بن سلمان” في بداية هذا العام. ليضافوا إلى أمراء آخرين كان قد اعتقلهم في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 بعد نقلهم من فندق (ريتز كارلتون) الذي تم تجميعهم فيه بداية الأمر.

مصر- سجن “العقرب” في “طرّة”:

سجن طرّة، الواقع جنوب غرب مدينة “حلوان”، عبارة عن مجمّع كبير من السجون، وأهمها وأخطرها على الإطلاق هو سجن طرة شديد الحراسة والمعروف بـ “سجن العقرب”، وسيتركز الحديث عنه بمعزل عن بقية أجزاء المجمع، لسمعته السيئة التي تفوق الوصف، والمرتبطة بالسجناء السياسيين..

تم تأسيس مجمع طرة في نهاية عشرينيات القرن الماضي لتخفيف الضغط عن سجن “أبو زعبل” التاريخي الشهير، ويتكون من سبعة أجنحة أو “عنابر” مقسمة بحسب أسماء نزلائها؛ كعنبر القضايا الجنائية وهو من اختصاص شرطة ومباحث السجن، أما العنابر البقية –الخاصة بالعقرب- كعنبر الإخوان والسياسيين والتأديب والتخابر فهو من اختصاص عناصر يتبعون للأمن الوطني (مباحث أمن الدولة).

وسجن “العقرب”، هو الأشهر بين نظرائه من السجون الأخرى، وربما الاسم وحده يكفى لبث الرعب والخوف في نفس من يسمعه، أو ربما نوعية نزلائه من قيادات الجماعات الإسلامية المختلفة منذ إنشائه هي التي تدل على قوة تأمينه وبأس حراسته؛ فهو محاط بسور يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار وبوابات مصفحة من الداخل والخارج كما أن مكاتب الضباط تقع بالكامل خلف الحواجز والقضبان الحديدية.

ويضم “العقرب” لوحده 4 عنابر من بين عنابر مجمع طرة السبعة، وهو معزول عن بقية أبنية المجمع.

اقترح فكرة السجن مجموعة من ضباط الشرطة عقب عودتهم من بعثة تدريبية في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي عام 1991 بدأ وزير الداخلية السابق حسن الألفي ومجموعة من مساعديه؛ من بينهم اللواء حبيب العادلي مساعد الوزير لشؤون أمن الدولة آنذاك، في تجهيز خطة الإنشاء والبدء بتنفيذها، ليصبح السجن جاهزاً في منتصف عام 1993([11]).

يقول أحد الضباط المسؤولين عن السجن: “صمّموه بحيث إن من يدخله لا يخرج منه حيًا. صمموه للمعتقلين السياسيين”([12]).

تم الزجّ بمعظم قيادات الجماعات الإسلامية و”الجهاد الإسلامي” في ذلك السجن قبل قيام ثورة يناير 2011؛ ومن أبرز النزلاء الحاليين بسجن “العقرب” قيادات وأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي في شهر تموز/ يوليو 2013؛ وتجاوز عدد المحتجزين خلال الفترة المحصورة بين عزل “محمد مرسي” ومنتصف عام 2014 الـ 41 ألف معتقل، إضافة إلى بعض من النشطاء والصحفيين. بينما غادر، منذ وقت قريب، أسوار العقرب، “محمد الظواهري”، شقيق أيمن الظواهري زعيم تنظيم “القاعدة”!

 قالت “هيومن رايتس ووتش” في تقرير لها: “إن السلطات في سجن العقرب الشديد الحراسة، الذي يحوي العديد من المعتقلين السياسيين، تمارس انتهاكات معتادة أسهمت في وفاة بعض النزلاء. ويقوم موظفو سجن العقرب بضرب النزلاء ضربًا مبرحًا وعزلهم في زنازين “تأديبية” ضيقة، مع منع زيارات الأهالي والمحامين، وعرقلة رعايتهم الطبية”. ويوثق التقرير المعاملة القاسية واللاإنسانية على أيدي أعوان وزارة الداخلية المصرية، التي قد ترقى إلى مصاف التعذيب في بعض الحالات، وتنتهك معايير دولية أساسية لمعاملة السجناء([13]).

وتبذل السلطات المصرية جهودًا كبيرة لتفادي وصول المعلومات عن السجن للجمهور؛ فزيارات الأهالي والمحامين غير منتظمة، وتُمنع بالكامل لفترات طويلة، ولا تدوم إلا لدقائق معدودة، ولا يُسمح للنزلاء بإجراء مقابلات أو التواصل مع أشخاص خارج السجن بأي شكل. وفي مناسبات قليلة – أثناء جلسات المحاكم – يُسمح لهم بالتحدث قليلا في وجود الإعلام.

وقد أُنزلت بالعديد من المعتقلين أحكام مطولة بالسجن، وما زالوا رهن الاحتجاز على ذمة الاستئناف، وهي إجراءات تستغرق سنوات في العادة. هناك آخرون محتجزون على ذمة المحاكمة، ويواجهون في الأغلب مجموعة متنوعة من الاتهامات الخطيرة، دون قبول خروجهم بكفالة.

مات 6 من نزلاء سجن العقرب على الأقل رهن الاحتجاز أثناء فترة حظر الزيارات في عام 2015 أو بعدها مباشرة. حيث رفضت السلطات النظر في أمر الإفراج عنهم بصفة مشروطة لأسباب طبية، ومنعت علاجهم في الوقت المناسب، وأخفقت في إجراء تحقيقات جدّية في وفاتهم. في إحدى الحالات منعت النيابة تصريح الدفن إلى أن وعد قريب للنزيل المتوفى بعدم تقديم شكوى بشأن غياب الرعاية الطبية ([14]).

  • سجون العراق:

بعد الضجة التي أثارتها الصور الشهيرة، التي كشفت ممارسات بعض من الجنود الأمريكيين داخل سجن أبو غريب في العراق في عام 2004، والتعذيب المهين الذي تعرض إليه سجناء عراقيون، أضحى موضوع السجون العراقية، أحد المقاييس التي تدل على اتجاه العراق الجديد إلى زمن مختلف عن ماضيه، أو لتكرس الصورة الشرق أوسطية، عن سجون معتمة، وسجناء مغيّبين، بلا أدنى حقوق غالبًا.

وكشف تقرير أعده مركز بغداد لحقوق الإنسان، عن واقع مؤلم للسجون العراقية، مبيناً أن 38 ألفاً من الرجال و 900 امرأة يتعرضون للتنكيل وسوء المعاملة والتمييز الطائفي داخل السجون.
وبيّن التقرير أن الانتهاكات لم تقف عند المعتقلين فحسب، بل طالت عوائلهم من حيث تعرضهم لتضييق وسوء معاملة أثناء زيارات المعتقلين الدورية، واستنزافهم مالياً بسبب ارتفاع أسعار المواد التي تبيعها وزارة العدل للمعتقلين من خلال محالها الرسمية في السجون، في ظل استمرار الوزارة بمنع العوائل من إدخال المواد الغذائية والملابس والأدوية للمعتقلين.
ولفت التقرير إلى أن أسوأ السجون معاملة هو سجن “الناصرية” المركزي الواقع في صحراء الناصرية التابعة لمحافظة ذي قار وسجن التاجي (الحوت) المركزي([15]).

ويوجد في العراق 22 سجناً، عدا السجون السرية، تضم ما يقارب 39-40 ألف سجين وسجينة، معظمهم من المعتقلين لأسباب سياسية، ومن الطائفة “السنية”.

ولعل أكثر ما يميّز سجون العراق عن السجون السابقة هو ما تتعرض له النساء السجينات من انتهاكات صارخة. حيث تُعتقل العراقيات بشكل تعسفي، وتتعرَّضن للركل والصفع والصقع بالكهرباء وتعليقهن من شعورهن، ولشتى أنواع التعذيب وصولاً إلى الاغتصاب، وقد يجري ذلك أحياناً أمام أفراد من عائلاتهن. وتُحتجز آلاف العراقيات لأشهر أو حتى لسنوات، وقد يُحكَم عليهن بالإعدام في بعض الأحيان استناداً إلى اعترافات منتزعة تحت التعذيب. وترتكب قوات الأمن هذه الأفعال كما يحلو لها، سواء بإذن رسمي أو غير رسمي من السلطات القضائية أو الحكومة. وهذا العنف الواقع على السجينات في العراق كشفت عنه في فبراير/شباط 2014 المنظمة الأمريكية للدفاع عن حقوق الإنسان “هيومن رايتس ووتش” في تقرير بعنوان “لا أحد يعيش في أمان”([16]).

وتلقي قوات الأمن القبض على النساء بشبهة أن أقرباءهن من الرجال قد ارتكبوا جرائم، أو لأنهن ينتمين إلى عشائر دينية أعلنت العصيان. وتتم الاعتقالات تحت غطاء قانون “مكافحة الإرهاب” العراقي.

واكتسب سجن “الكاظمية” الواقع في الضاحية الشمالية من العاصمة بغداد شهرةً أكبر وأسوأ بكثير عن بقية السجون الحالية. وعرف السجن بكونه “المكان الذي يختفي فيه العراقيون” ووصفت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (نافي بيلاي) الوضع في السجن على أنه “مثل معالجة الحيوانات في المسلخ”، وتم توثيق وفاة 97 معتقلًا في سجن الكاظمية وحده، نتيجة التعذيب الشديد ([17]).

  • السجون السورية.. مقابر التعذيب:

يقول عميل المخابرات المركزية الأميركية السابق (روبرت باير): “إذا أردت استجوابًا جادًا أرسل السجين إلى الأردن، وإذا أردت تعذيبه أرسله إلى سوريا، وإذا أردت إخفاءه إلى الأبد أرسله إلى مصر”([18]).

تتربع السجون السياسية السورية على قمة هرم السجون، ليس في العالم العربي فحسب، بل في العالم أجمع؛ وعلى وجه الخصوص خلال عهد حكم عائلة الأسد.

وانحصرت سجون سوريا الخاصة بالسياسيين بثلاثة سجون رئيسة: أولهم وأهونهم شراً كان سجن المزة “العسكري” الذي يعتبر الأقدم بينها؛ حيث تم إنشاؤه من قبل الانتداب الفرنسي بصفته سجناً عسكرياً قبل أن يحوله الرئيس السوري صاحب الانقلاب العسكري الأول “حسني الزعيم” إلى معتقل سياسي عام 1949؛ ودخل هذا السجن رؤساء وسياسيون سابقون كشكري القوتلي وأمين الحافظ، ونور الدين الأتاسي وصلاح جديد.. (تم اعتقال الأخيرَين على يد “رفيقهما” حافظ الأسد إبان انقلابه المسمى بالحركة التصحيحية 1970، ليمضي الرئيس الأتاسي 22 سنة في سجن المزة، ويصاب بالسرطان الذي تفشّى في جسده، ليُحال إلى المشفى العسكري لمدة أربعة أشهر ثم إلى باريس للمعالجة، فيموت في مشافيها في نهاية عام 1992. أما صلاح جديد فقد لقي مصرعه في السجن بعد حوالي 8 أشهر من وفاة الأتاسي). وكذلك شهد سجن المزة اعتقال الزعيم اليساري “فرج الله الحلو” الذي تم تذويبه بالأسيد على يد المخابرات السورية خلال فترة الوحدة مع مصر.

أقيم هذا السجن على هضبة مطلة على حي المزة الدمشقي، وهو مؤلف من طابقين، في كل طابق أربع زنزانات، وأضيف إليها لاحقاً (في عهد حافظ الأسد) زنزانات انفرادية.

أغلقه بشار الأسد بعد توريثه للسلطة بأشهر قليلة، 13 أيلول/ سبتمبر 2000، وكان قد أمر بتحويل سجنائه إلى سجن صيدنايا قبل ذلك.

 السجن الثاني: تدمر.. جذور الرعب

كذلك أطلقت على هذا السجن صفة “عسكري”، إذ كان مخصصاً للأحكام الصادرة من المحكمة العسكرية، وتشمل العقوبات المرتبطة بالعسكريين من متطوعين ومجندين، وتشرف عليه “الشرطة العسكرية”.

أنشئ هذا السجن خلال حكم البعث لسورية، عام 1966، ويقع في قلب البادية السورية بالقرب من مدينة تدمر الأثرية الشهيرة؛ وقد صمم لإنزال أقسى أنواع العقوبات وصور الإذلال بالمساجين.

وترتبط بهذا السجن حادثة مأساوية لا تبرح ذاكرة السوريين، وهي المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد الأب بحق المعتقلين السياسيين، وراح ضحيتها المئات، غالبيتهم من المحسوبين على “الإخوان المسلمين”، بتاريخ 27 حزيران/ يونيو 1980.

في ذلك اليوم أقلعت نحو عشر مروحيات من مطار المزة العسكري وعلى متنها عشرات الجنود يقودهم “رفعت الأسد” شقيق حافظ، وكان الهدف سجن تدمر. وبهدوء جرى تجميع مئات المعتقلين في الباحات وبدأ إطلاق الرصاص وقاذفات اللهب وإلقاء القنابل اليدوية؛ كانت إبادة كما وصفت في ذلك الوقت. ولم يُعرف حتى اللحظة العدد الحقيقي للضحايا، كما لم يتم الإفصاح عن مكان دفن أجسادهم.

تلك الحادثة كانت فاتحة عهد من الرعب واستخدام القوة المفرطة عبر عشرات الأفرع الأمنية للهيمنة على البلاد.

كما لم تنهِ تلك الحادثة مشاهد الرعب داخل ذلك السجن خلال السنوات الـ 35 التي تلت المجزرة؛ فقد بقي سجن تدمر يحتوي على العديد من المعتقلين السياسيين ومن جميع التيارات، ومن بينهم معتقلون من جنسيات عربية مختلفة.

وفي 30 أيار/ مايو 2015، أقدم تنظيم “داعش” على تفجير السجن ونسفه بالكامل بعد استيلائه على مدينة تدمر، ليتم طمس أهم الشواهد على وحشية النظام السوري.

وحين انسحب “داعش” من المدينة ليدخلها جيش النظام في آذار/ مارس 2016، قام إعلام الأخير بنشر خبر يتحدث عن عثور الجيش على مقبرة جماعية، بقرب منطقة السجن، تضم ما يقارب 25 جثماناً لعسكريين ومدنيين كان “داعش” قد قام بقتلهم ودفنهم في وقت سابق؛ إلا أن نظام الأسد حرص على عدم تصوير المقبرة أو نشر مقاطع عنها، بعكس باقي المناطق التي عثر فيها على مقابر مدّعياً بأنها من فعل “العصابات الإرهابية المسلحة”؛ ويؤكد لنا أحد أبناء مدينة تدمر([19]) ممن شهدوا نبش المقبرة بأنها حَوَت على (هياكل عظمية) أكثر بكثير مما ذُكر، وتعود إلى فترة زمنية سابقة لوجود داعش، مما يرجّح ارتباطها بضحايا مجزرة السجن ومحاولة النظام طمس الدليل الأخير على ارتكابها.

السجن الثالث: صيدنايا.. المسلخ البشري:

“سجن صيدنايا هو المكان الذي تقوم (الدولة السورية) فيه بذبح شعبها بهدوء. ويشكل المدنيون، الذين تجرأوا على مجرد التفكير بمعارضة الحكومة، الغالبية الساحقة من الضحايا” /منظمة العفو الدولية/([20]).

يقع هذا السجن بالقرب من مدينة صيدنايا في منطقة القلمون التابعة لريف دمشق، ويبعد حوالي 30 كم شمال العاصمة السورية؛ وقد أقيم على تلة مرتفعة ليغدو أشبه بقلعة منيعة التحصين، لا سيما بعد إحاطته بأكثر من سور خراساني، وحقل ألغام، ودبابات ومدرعات على مدار الساعة.

يتألف السجن من مبنيين، الأول هو الأقدم، وهو الشهير باسم “المبنى الأحمر”، الخاص بالسجناء السياسيين، يتألف من ثلاثة طوابق، وتم تصميمه بحيث تتوسطه كتلة رئيسة تتفرع منها ثلاثة ممرات طويلة، ليأخذ شكل شارة سيارة المرسيدس؛ أما المبنى الثاني “الأبيض” فقد خصّص للعقوبات والأحكام العسكرية، وتم إنشاؤه لاحقاً لتخفيف الضغط عن سجن “القابون” التابع للشرطة العسكرية وسط العاصمة دمشق.

يتبع السجن مباشرة لوزارة الدفاع، وتديره الشرطة العسكرية. وتم نقل كثيرٍ من معتقلي سجن تدمر إلى سجن صيدنايا عند افتتاحه في العام 1987، بالإضافة إلى بعض معتقلي سجن المزة العسكري كما ذكرنا سالفاً، وجميعهم كانوا من المدنيين المتهمين والمحكومين بقضايا سياسية، وقضايا تتعلق بـ “أمن الدولة”. كما أنه كان منذ ذلك الوقت مكاناً لاحتجاز سجناء مدنيين موقوفين عرفياً لصالح أجهزة أمنية، كالأمن العسكري والمخابرات الجوية، وأمن الدولة. واحتُجِزَ فيه معتقلون لبنانيون وفلسطينيون أيضاً ([21]).

شهد هذا السجن وقوع حادثتين منفصلتين؛ الأولى كانت في شهر تموز/ يوليو 2008، حين أعلن سجناء سياسيون يتبعون لتيارات إسلامية، العصيان على إدارة السجن احتجاجاً على سوء المعاملة أثناء حملة تفتيش فجائية على مهاجع السجن، فقاموا باحتجاز عشرات السجناء العسكريين، وسياسيين من تيارات غير إسلامية، إضافة إلى ضبّاط ومجندين تابعين لإدارة السجن. وبدل أن يقوم النظام بالاستماع إلى مطالبهم وتنفيذها، قام بإرسال قوّات عسكرية تابعة للفرقة الرابعة المنضوية تحت قيادة “ماهر الأسد” شقيق (الرئيس السوري)، لتقوم تلك القوات بفتح النار مرتكبة مجزرة بحق منفذي العصيان، راح ضحية ذلك “حوالي 25 سجيناً من الإسلاميين حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان ([22])”.

أما الحادثة الثانية، فترتبط بجريمةٍ ضد الإنسانية، تعتبر الثانية بعد (هولوكوست) الحرب العالمية الثانية، من حيث عدد الضحايا وأساليب القتل الوحشية التي مورست عليهم.

فقد صعق العالم حين انتشر تقرير منظمة العفو الدولية (أمنيستي إنترناشونال) الذي يتّهم النظام السوري، في ضوء معطيات حوالى مئة مقابلة، بارتكاب جرائم في حق الإنسانية هي الإعدام العرفي ومن غير محاكمة لـ 13000 شخص في سجن صيدنايا في أثناء المدة بين أيلول/سبتمبر 2011 وكانون الأول/ ديسمبر 2015([23]). 

وأكّد التقرير وجود حملة مدروسة تنفذها مخابرات الأسد على شكل إعدامات خارج نطاق القضاء، وتتم عن طريق عمليات شنق جماعية داخل سجن صيدنايا، طالت المعتقلين الذين شاركوا بالاحتجاجات التي انطلقت ضد نظام الأسد في آذار/ مارس 2011.

ووفقا لشهادات نقلتها منظمة العفو في تقريرها المذكور، فإن التعذيب في سجن صيدنايا ينتهي غالباً بالموت، إذ يشهد أبشع أساليب التعذيب لمعاقبة السجناء والمعتقلين، مثل: السلق بالمياه الساخنة، والصعق بالصدمات الكهربائية، ونزع الأظافر، وسياسة التجويع، والحرمان من المياه، والاغتصاب، وأسلوب الاحتجاز مع جثث المعتقلين.

وترجّح معظم المنظمات الحقوقية والنشطاء بأن النظام لجأ إلى أسلوب الحرق بأفران أعدّت خصيصاً للتخلص من جثث الضحايا، استناداً إلى شهادة سجناء خرجوا من سجن صيدنايا([24]).

وبعد انتشار تقرير منظمة العفو، وفضح انتهاكات النظام في “مسلخ صيدنايا البشري”، حسب وصف المنظمة؛ لجأ الأخير، كعادته، إلى التخلص من “الدليل الأكبر” على مذبحته، وذلك بتصفية مدير السجن العميد “محمود احمد معتوق”، الشاهد الملك على تفاصيل المسلخ البشري كاملة، في منتصف كانون الثاني/ يناير 2018.

ختامًا..

لا تقتصر دول العالم العربي على السجون التي مررنا عليها، لكننا اخترنا أشدّها وطأة على نفس المواطن العربي المقيم في تلك الدول؛ وكما رأينا، يوجد تفاوت واضح بين معظمها من ناحية التجاوزات اللاإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان فيها.

كما أننا اخترنا ذكر ما هو معروف وعلني منها، ولم نمرّ على السجون السرّية التي تغصّ بها المنطقة العربية، لا سيما في الدول الثلاث الأخيرة التي ذكرناها في هذه الدراسة (سوريا والعراق ومصر) نتيجة شحّ المعلومات المتعلقة بها وتضاربها، إضافة إلى تعرّض غالبية معتقليها للموت تحت التعذيب كما دلّت على ذلك اللائحة التي سرّبها النظام السوري مؤخراً على سبيل المثال، والتي تضم أكثر من 8000 اسم قضوا تحت التعذيب، معظمهم في سجونه السرية التابعة للأفرع الأمنية المنتشرة داخل المحافظات والمدن السورية.

وعموماً، فإن السجون العربية، التي ذكرناها والتي لم نأتِ على ذكرها، تعتبر من بين أسوأ سجون العالم إذا ما أخضعناها للمعايير المتعلقة بمعاملة السجناء، والمطروحة ضمن مواد الميثاق الدولي لحقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، وكافة المنظمات والمؤسسات ذات الصلة؛ لا سيما المرتبطة بالسجناء والمعتقلين السياسيين والمعارضين من أصحاب الرأي.


[1] – موقع نافذة مصر، مقال بعنوان”سجن الرزين الإماراتي أسوأ سجون العالم”، 26/6/2017

[2] – صحيفة الشرق، تقرير بعنوان “نزلاء سجن الرزين الإماراتي يكشفون فضائعه” 23/10/2017.

[3] – شبكة الجزيرة- تقرير فيلم بعنوان “سجن الرزين غوانتانامو الإمارات” 22/10/ 2017.

[4] – موقع (UPR Lebanon)، تقرير بعنوان “لبنان يمثل امام لجنة مناهضة التعذيب … تقرير حكومي متأخر 16 عاماً”، 31/3/2017.

[5] – ويكيبيديا- الموسوعة الحرة- الحائر “سجن”.

[6] – موقع روسيا اليوم، تقرير بعنوان “ماذا تعرف عن سجن الحائر” 7/1/2018.

[7] – موقع هيومان رايتس ووتش، “روايات السجناء” 27/4/ 2007.

[8] – صحيفة الرياض- خبر بعنوان “التحقيق مع المتسببين بحالات شغب الموقوفين بسجن الحاير بالرياض” – 17/6/ 2012.

[9] – روسيا اليوم، نفس المصدر السابق.

[10] – جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية، شهادة “عزة الزهراني” التي وقع الاعتداء عليها،  2012-12-10

[11] – صحيفة اليوم السابع المصرية، مقالة بعنوان “معلومة أمنية.. تعرف على سجن العقرب شديد الحراسة” للكاتب أحمد إسماعيل، 30/5/ 2018

[12] – اللواء إبراهيم عبد الغفار، مأمور سابق لسجن العقرب أثناء مقابلة تلفزيونية في قناة الحياة المصرية 2012.

[13]– موقع هيومن رايتس ووتش، تقرير صدر في 58 صفحة بعنوان “حياة القبور: انتهاكات سجن العقرب في مصر”، 27/9/2016.

[14] – نفس التقرير السابق لـ هيومن رايتس ووتش، فقرة تحت عنوان “الموت رهن الاحتجاز”.

[15] – موقع أخبار العراق، تقرير بعنوان ” تقرير لحقوق الانسان: سجون العراق في 2017 طائفية وتعذيب”، 1/2/2018.

[16] – مونت كارلو الدولية، تقرير بعنوان ” السجينات العراقيات: بين التعذيب والاغتصاب” للكاتبة سميراميس إده، 7/3/2015.

[17] – موقع فيتو، مقال بعنوان “7 سجون الأخطر في الوطن العربي للكاتبة آية عاطف، 7/1/2018.

[18] – الجزيرة نت، مقولة استشهدت فيها الكاتبة “ياسمين رفاعي” ضمن خبر في الموقع تحت عنوان “إيكونومست تشكّ في دور حكومي بمقتل (ريجيني)” 18/2/2016

[19] – لا نستطيع ذكر اسمه لأسباب أمنية، وبناءً على طلبه.

[20] – تقرير قدمته منظمة العفو الدولية (أمنستي) على موقعها الرسمي، حمل عنوان “المسلخ البشري: عمليات الشنق الجماعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا” للكاتبة نيكوليت وولدمن،7/2/2017.

[21] – موقع الجمهورية، تحقيق بعنوان “سجن صيدنايا، من التأسيس إلى المحارق البشرية”، 6/6/2017

[22] – صحيفة النهار اللبنانية، خبر بعنوان ” 25 قتيلاً في تمرد «إسلامي» داخل سجن صيدنايا السوري”، 6/7/2008.

[23] – تقرير منظمة العفو الدولية، المصدر السابق.

[24] – الجزيرة نت (نقلاً عن الديلي غراف)، تقرير بعنوان “نزلاء صيدنايا كان يشمون رائحة الجثث المحترقة”، 3/6/2017.

0 تعليق

قد يعحبك أيضاً

دع تعليقاً

ياستخدامك لهذا النموذج أنت توافق على حفظ بيناتك في هذا الموقع

هذا الموقع يستخدم ما يسمى الكوكيز لتأمين أفضل خدمة لكم في زيارتكم لموقعنا، معظم المواقع الكبرى تستخدخ هذه التقنية موافق قراءة المزيد

Privacy & Cookies Policy