سهيل (النمر): فيلسوف أعداء العالم الذي سيضحّي به النظام

by Euphratespost

أحمد طلب الناصر

يعتبر “سهيل الحسن” (النمر) من بين أكثر الشخصيات إشكالية على ساحة الصراع السورية، منذ اللحظة الأولى التي برز فيها اسمه على الإعلام كضابط وقائد مجموعة مسلحة في ريف حلب؛ إذ نُشر مقطع خاص بقناة “سما” التابعة لنظام الأسد على (اليوتيوب) قبل أسابيع قليلة من ظهور صوره في ريف حماه، بالتزامن مع هجوم الثوار على مدينة “محردة”، والتي تعد من أكبر القرى التي تحوي شبيحة النظام وتقوم بالتنكيل بالمدنيين من أهالي مدينة حماة وريفها، وذلك في بداية شهر آب/ أغسطس 2014، وكان النظام قد استقدمه على رأس ميليشيا تُعرف بـ “قوات النمر” جلّ عناصرها من المتطوعين ضمن ما يسمى “الدفاع الوطني”.

بعد ذلك تكرر ذكر اسم “النمر” وظهوره في إعلام النظام ومقاطع (اليوتيوب)؛ فكان ظهوره المصوّر الأول على قناة اليوتيوب([1])، في 21 تموز/ يوليو 2014.

 تبع ذلك ظهوره في كل من قاعدة “كويرس” الجوية، وتدمر، وحلب، وحماة، ودير الزور، والميادين ووادي الفرات، عقب كل عملية تُنفّذ بحماية الطيران الروسي والقصف المتواصل.

فمن هو سهيل الحسن هذا؟

ولد “سهيل الحسن” عام 1970 في قرية “بيت عانا” بريف مدينة جبلة على الساحل السوري، لأسرة فقيرة تنتمي إلى الطائفة العلوية، والده “حسن” ووالدته “فضّة”، وله ابن وحيد اسمه “ذو الفقار”.

بعد حصوله على الثانوية أقدم على التطوع في الكلية الحربية ليتخرج برتبة ملازم دفاع جوي في العام 1991؛ انتقل إلى إدارة المخابرات الجوية وأشرف على تدريب العناصر في “فرع المهام الخاصة” بالإضافة إلى تدريب عناصر أمن مطار دمشق.

وتذكر بعض المواقع الموالية لنظام الأسد بأن “النمر” شارك بعمليات ضد من وصفتهم بـ “إرهابيين” منذ العام 2005 ([2]) وصولاً إلى ظهوره العلني عقب اندلاع الثورة السورية كما مر معنا.

  • صفات “النمر” وسجلّه الحربي في الثورة السورية:

يتصف سهيل “النمر” بشراسته وبرغبته الجامحة في إبادة المعارضة، وهو ما قربه إلى الموالين للأسد، على الرغم من حبّه للشعر و”الفلسفة” وظهوره بمظهر “السيّد” أو “الشيخ” و”الأب الحنون” بين عناصره، حاملاً أغلب الأوقات عصا رفيعة، ومرتدياً “عباءة” كتلك التي يرتديها شيوخ العشائر والوجهاء والمرجعيات.

عُرف عن “النمر” استخدامه تكتيك “سياسة الأرض المحروقة” في تعامله مع فصائل المعارضة والمناطق التي يستولي عليها، يتبعها الاعتداء وشن الغارات على البيوت التي يستولي عليها مع عناصر قواته لينفّذوا عمليات “التعفيش”، تلك الصفة التي التصقت باسم قوات النمر في جميع المناطق التي شهدت تواجدهم فيها.

كما ربطت منظمات حقوق الإنسان اسم “سهيل الحسن” بأسوأ المجازر التي ارتكبت منذ اندلاع الثورة السلمية في سوريا عام  2011، حيث قام بعمليات لصالح مديرية المخابرات الجوية، سيئة الذكر، وأرفقت قواته في دمشق مع القوات السورية للتأكد من قيامها بتنفيذ الأوامر وإطلاق النار على المتظاهرين السلميين، وذلك بناء على شهادات جمعتها منظمة (هيومان رايتس ووتش)([3])، ومن رفض إطلاق النار تمت تصفيته حالًا.

وأدى “النمر” دورًا في تعذيب المتظاهرين، فبحسب الشهادات نفسها لـ “هيومان رايس ووتش”، إنه وأفراد وحدته ارتكبوا جريمة بشعة في نهاية نيسان/ أبريل 2011 ضد المتظاهرين في درعا، قتل فيها حوالي 100 شخص، وبعد تحول التحرك السلمي إلى ثورة مسلحة، تم نقل الحسن إلى مطار حماة العسكري. 

 ومع ازدياد الانشقاقات عن الجيش السوري في الفترة الممتدة بين 2012 إلى 2014 ، قام الحسن بالتحالف مع ميليشيا غير نظامية تتألف من وحدات موالية للنظام في الجيش ومقاتلين من الطائفة العلوية. وقال أحد قادة الجيش السوري معه في ذلك الوقت إن سهيل الحسن كان مسؤولا عن واحدة على الأقل من المذابح التي ارتكبت في عام 2012 في حماة ضد قرى متهمة بإيواء الثوار والمنشقّين عن الجيش: “في التريمسة، قمت أنا وسهيل بمحاصرتهم وقتلنا نحو 250 منهم”. هكذا وصف العميد جمال يونس، قائد فوج 555 مظليين في الفرقة الرابعة في الجيش السوري، في عام 2014 مجزرة قرية التريمسة. ثم انتشرت أساليب الأرض المحروقة هذه التي اتبعها الحسن إلى محافظتي إدلب وحلب المجاورتين([4]).

  • معركة “جسر الشغور” وتحوّلات “النمر”:

في شهر نيسان/ أبريل 2015، كُلّف “النمر” لقيادة معركة استعادة مستشفى جسر الشغور في ريف إدلب، وظهر في مقطع مصوّر تم تناقله على شبكة الإنترنت وهو يتحدث مع وزير الدفاع أو رئيس النظام يطلب منه النجدة لفك الحصار ويشكو من نقص الذخائر الذي اضطره إلى سحب رجاله من المنطقة.

وكانت معركة استعادة مستشفى مدينة جسر الشغور آنذاك أولوية لدى النظام، في محاولة لفك الحصار عن حوالي 150 عنصراً محاصراً من قبل “جبهة النصرة” في المبنى.

اللافت للانتباه أن سهيل الحسن، بعد ذلك المقطع، انقطعت أخباره فجأة عن ساحة المعارك لا سيما عقب سقوط المشفى وإتمام السيطرة الكاملة على منطقة جسر الشغور، فتناقلت المواقع وصفحات التواصل أخباراً مشككة وأخرى مؤكدة لمقتل “الحسن” داخل المشفى أو خارجه.

حيث أفادت بعض المعلومات عن وجود ضباط وقيادات في جيش الأسد داخل المشفى الوطني، أبرزهم العقيد سهيل الحسن، إضافة إلى محافظ إدلب وقيادات من حزب الله اللبناني وضباط إيرانيين([5]). أما صفحات الموالاة فقد ذكرت بأنه يقضي إجازة مفتوحة في مكان ما، فوق الأرض أو تحتها.

 وبعد وقت قصير ظهر “النمر” بصورة ضابط مضطرب نفسياً، مختلف كلياً عن سهيل الحسن الذي ظهر في الصور والمقاطع السابقة، حتى عناصره باتوا لا يلقون حرجاً من محاولة إخفاء ضحكهم أمام الكاميرات أثناء طرحه لـ “نظرياته الفلسفية”.

بدا “النمر” الجديد أصغر سنّاً من القديم، بجسدٍ مكتنز مفتول العضلات، ووجه منتفخ، بخلاف جسد النمر القديم ووجهه النحيل؛ وبلحية مشذّبة بعكس القديم الذي لم يظهر سابقاً بلحية، في محاولة لطمس ملامح الوجه التي اختلفت بشكل ملحوظ، كما يمكن ببساطة ملاحظة شكل العينين والتي لا يمكن أن تكونان لذات “النمر”.

المدقق في صور سهيل الحسن في جميع اللقاءات الأخيرة يستطيع بسهولة ملاحظة فروق جوهرية بينه وبين الشخص ذاته قبل معركة جسر الشغور، والتي كانت الحد الفاصل بين الشخصيتين.

كان لـ “شادي حلوة”، مراسل تلفزيون نظام الأسد في حلب، النصيب الأكبر من اللقاءات مع النمر، لم يستطع أن يخفي ضحكه أمام الكاميرا عندما كان الأخير يلقي خطبة عن ما بات يعرف بـ “نظرية أعداء العالم”، والتي تكلم فيها سهيل الحسن المفترض بعبارات غير مفهومة وغير مترابطة محاولاً أن يوصل فكرة بسيطة وهي أن قواته تحارب الإرهاب الذي هو عدو لكل العالم.

أما صحيفة (اندبندنت) البريطانية فقد أوردت خبراً آخر حول مقتله، فتنقل على لسان ضابط من الطائفة العلوية، انشقّ عن جيش النظام وهرب إلى الأردن، بأن سبب انشقاقه كان “قيام إيران وحزب الله بتصفية العديد من ضباط الجيش السوري البارزين واختطاف البعص الآخر، خوفًا من أن يصبح الجيش السوري قادرًا على الاستغناء عن دور حزب الله وإيران، خصوصًا بعد التدخل الروسي”.

وكشف أن أبرز الضباط الذين قام حزب الله بتصفيتهم هو العقيد سهيل الحسن الملقب بـ”النمر”، والذي بات يحظى بشعبية واسعة نتيجة نجاحه بتحرير عدد من المناطق.

والمعروف عن “النمر” -حسب الضابط المنشق- مخالفته الرئيس السوري بشار الأسد في التعامل مع الفصائل السورية المعارضة المعتدلة، إذ إنه كان يدعو لمهادنتهم والتركيز على قتال تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة”.

وأكّد التقرير أن الفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل ليست لـ “النمر”. مضيفاً أن سهيل الحسن الحقيقي لا يحب الظهور على الإعلام، وأن الشخص الذي يشبهه تعمّد التكثيف من الظهور الإعلامي لطمس حقيقة مقتل سهيل الحسن، وتعمّد أيضاً الإدلاء بتصريحات تظهر الحسن على أنه شخص أبله لا يصلح للقيادة([6]).

  • النمر بعد منتصف 2015 وحتى اليوم:

بغض النظر عن صحة الرواية التي أوردتها (الاندبندنت) من عدمها، تابع النمر “إنجازاته” لاحقاً، لا سيما بعد ظهوره المثير للسخرية في مقطع فيديو “نظرية العالم” الشهيرة، على أرض مطار “كويرس” منتصف شهر كانون الثاني/ ديسمبر 2015؛ فراح يظهر عقب كل عملية “استعادة” لمنطقة من المناطق السورية بعد تسويتها بالأرض بفعل الطيران الروسي، حتى بات ما يسمى بـ “انتصارات” النظام مرتبطة باسمه واسم ميليشيته.

ففي مطلع عام 2016 خرج النمر بـ “نظرية” ثانية أُطلق عليها نظرية “اللاشعور”([7])، و بآذار/ مارس 2016، ظهر النمر يهبط بمروحية على أرض مطار تدمر العسكري بعد “انسحاب” تنظيم “داعش” من المدينة([8]). وفي تموز/ يوليو 2016 أطلّ النمر، مجددًا، في طريق “الكاستيلو” بحلب، متحدثاً عن الاستراتيجية العسكرية في المعارك؛ فقال إن الانتصارات الأخيرة التي حققها على طريق الكاستيلو جاءت بسبب “الحق والإيمان” لدى الجيش. وفي صيف 2017 قام الطيران الروسي بتمهيد الطريق للنمر وقواته في بادية دير الزور للقيام بعملية برية ضد تنظيم “داعش”.

وترافق تواجد عناصر ميليشيا النمر جنباً إلى جنب مع الروس في كافة المناطق التي شهدت عمليات فرض “التسوية”، في الغوطة الشرقية، ودرعا، لتثير الرعب في نفوس المواطنين جراء عمليات التصفية الجسدية، والتعفيش الذي سيطال بيوتهم على أيدي أولئك العناصر.

  • النمر، رجل الروس وفزّاعتهم:

يزعم الروس أن دعمهم للنمر وقواته جاء لتحقيق هدفين، وهما: تعاون الجيش الروسي مع الجماعات المحلية لهزيمة “التنظيمات الإرهابية”، أما الثاني فهو عمل الروس، بخلاف الأمريكيين، مع القوات الشرعية التابعة للحكومة، بدلًا من المرتزقة والمليشيات.

 وراح الروس يصفون قوات النمر بأنها التي لا تقهر،  ووصل الأمر أن يتم تكريم النمر من قبل قائد القوات الروسية في قاعدة مطار “حميميم”، وأهداه الجنرال (جيراسيموف) سيفًا. بل وكان النمر الحاضر الوحيد إلى جانب الأسد، في لقاء بوتين في نفس القاعدة، وجلس مقابل الأخير في حين جلس بشار على يسار الرئيس الروسي!

وقال بوتين مخاطبا النمر: “قال لي زملاؤك الروس إنك قاتلت ورجالك بحزم وشجاعة وبنتائج غيرت مسار المعركة”. 

 ولا شك إن شعبية سهيل الحسن مع الروس قد تجعله ناجحًا وخطرًا على النظام، الذي ربما حاول قتله ولوم المعارضة، وهو المصير ذاته الذي لقيه، وما زال يلقاه، عدد من القادة والضباط من قبله.

واليوم، لا يتحرك النمر من مكان إلى آخر إلا بمرافقة حرّاس شخصيين روس، لتنتشر إشاعة داخل أوساط المعارضة والموالاة تقول بأن بوتين يعمل على تأهيله ليكون بديلًا عن رئيس النظام.

ولربما من أشد ما لفت الانتباه مؤخراً، تسريب مكالمة هاتفية بصوت النمر، هدد من خلالها عناصر حواجز النظام بالقتل في حال اعتراضهم طريق أي عنصر من عناصر قواته في مناطق النظام([9])؛ ولعل ذلك ما دفع النظام مؤخراً لإرسال دورية من المخابرات الجوية اقتحمت منزل النمر الكائن في حي (المزة 86) الدمشقي، لتُخرج منه ما يقرب من 2 طن من اللقى الأثرية كان قد “عفشها” من المدن والبلدات السورية التي شارك في قمعها، إلا أن الروس حالوا مرة أخرى دون التعرّض له أو اعتقاله.

اليوم، يتوجّه النمر على رأس قواته إلى دير الزور، بأمر من رأس النظام؛ فهل ستكون الدير محطته الأخيرة كما حصل مع جامع جامع وعلي خزام وعصام زهر الدين، أساطين جرائم النظام قبيل وخلال الثورة السورية، ليتمّ دفن أسرار انتهاكات النظام معه كما حصل مع سابقيه؟


المراجع:

[1] – يوتيوب، رابط أول ظهور: https://www.youtube.com/watch?v=G4LZXE0AygE

[2] – موقع فريق الشرطة الإلكتروني: http://policenews.xtgem.com/6-  

[3] – عن موقع عربي 21، في 6/4/ 2018، تقرير مأخوذ عن ترجمة لمقالة الكاتب “سام داغر” في مجلة “ذا أتلانتك”.رابط: https://arabi21.com/story/1076521/

[4] – الجزيرة نت (الميدان)، تقرير للكاتب المترجم كريم طرابلسي بعناون “سهيل الحسن.. مجرم حرب سوريا المفضل لدى بوتين”،19/3/2018، رابط الموقع: http://midan.aljazeera.net.

[5]– صحيفة عنب بلدي، تقرير بعنوان “لماذا لم تقتحم المعارضة مشفى جسر الشغور”، 8/5/2015.

[6] – موقع “جنوبية”، عن ترجمة لمقالة في (الأندبندنت) البريطانية بعنوان “حزب الله قام بتصفية العقيد سهيل الحسن الملقب النمر”، 26/2/2016، رابط الموقع: http://janoubia.com.

[7] – يوتيوب، رابط: https://www.youtube.com/watch?v=ZWK75p69U70

[8] – يوتيوب، الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=7IpIbGAl3_I

[9] – يوتيوب، الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=MSJuQSgESHY

0 تعليق

قد يعحبك أيضاً

دع تعليقاً

ياستخدامك لهذا النموذج أنت توافق على حفظ بيناتك في هذا الموقع

هذا الموقع يستخدم ما يسمى الكوكيز لتأمين أفضل خدمة لكم في زيارتكم لموقعنا، معظم المواقع الكبرى تستخدخ هذه التقنية موافق قراءة المزيد

Privacy & Cookies Policy