أزمة قناة السويس: خسائر بالجملة فمن المستفيد

by editor

اثار حادث جنوح سفينة الحاويات البنمية العملاقة “إيفر غيفن”، المملوكة لشركة شويكيسن اليابانية، والعالقة بقناة السويس منذ صباح الثلاثاء الماضي اهتماما عالميا كبيرا نظرا لأهمية هذا المجرى المائي العالمي وقد تسببت الحادثة في تعليق الحركة الملاحية بشكل مؤقت، الى حين الانتهاء من أعمال تعويم السفينة العملاقة.
منذ افتتاحها عام 1869، مرت قناة السويس بعدة مراحل للتوسيع، كان آخرها عام 2015، ليستقر طولها عند 193.3 كيلومترا، وعرضها حوالي 335 مترا.
وتهدف هذه التوسعات لإفساح المجال أمام حركة السفن بالاتجاهين في نفس الوقت، بدلا من الاعتماد على نظام القوافل، وما يتطلبه هذا النظام من انتظار يؤثر على مواعيد التسليم.
هذا وتبلغ حمولة سفينة الحاويات البنمية التي يبلغ طولها 400 متر، قرابة 223 ألف طن. ولا يتيح عرض القناة (حوالي 335 مترا)، هامشا أمام السفن للمناورة والالتفاف بعد دخولها القناة، ما يعني أن معظمها مجبر على الانتظار إلى حين حل الأزمة بتعويم السفينة العالقة، وإعادة فتح الممر أمام الملاحة.
ووقع الحادث نظرا لانعدام الرؤية الناتجة عن سوء الأحوال الجوية بسبب مرور البلاد بعاصفة ترابية، حيث بلغت سرعة الرياح 40 عقدة، مما أدى إلى فقدان القدرة على توجيه السفينة ومن ثم جنوحها.
أهمية القناة تجاريا
تعد قناة السويس، واحدا من أهم الممرات المائية في العالم، وهي الرابط الأقصر بين آسيا واوروبا، إذ يمر عبرها 12 بالمئة من التجارة العالمية، وقرابة 24 بالمئة من إجمالي تجارة الحاويات العالمية، فيما تستوعب القناة نسبة 100 بالمئة من تجارة الحاويات المارّة بين آسيا وأوروبا وفق بيانات هيئة قناة السويس.
ويعبر القناة حوالي 50 سفينة يوميا، ويتراوح معدل عدد السفن المارة في القناة سنويا بين 16 ألفا و18 ألف سفينة سنويا.
وفق بيانات هيئة قناة السويس، فقد عبر القناة ما يزيد عن 19 ألف سفينة في 2020، بإجمالي حمولة بلغت نحو 1.2 مليار طن، وذلك رغم تراجع التجارة العالمية جراء جائحة كورونا.
ومنذ افتتاحها عام 1869، شكلت قناة السويس بديلا للطريق الملاحي القديم بين آسيا وأوروبا، الذي يلتف حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، ما اختصر مسافة سير السفن بآلاف الكيلومترات، ووقتا يتراوح ما بين 5-6 أيام.
بالإجمال، تختصر قناة السويس ما بين 25 بالمئة (للصين واليابان) و80 بالمئة (لمنطقة الخليج) من وقت وطول رحلات السفن بين الشرق والغرب، مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح.
وفقا لبيانات وكالة “بلومبرغ”، فإن 10 بالمئة من تجارة النفط، و8 بالمئة من تجارة الغاز المسال تمر عبر قناة السويس، بينها نحو ثلثي النفط الخام القادم من منطقة الخليج.
وفي حال طالت الأزمة، فإنها ستؤثر على جداول التحميل في مصادر توريد الغاز، خصوصا في ميناء رأس لفان القطري، المصدر الأول للغاز المسال في العالم، حسب كبلر.
ومن بين السفن الـ 206 العالقة، 10 ناقلات نفط بإجمالي حمولة 13 مليون برميل، أي ما تعادل أكثر من 13 بالمئة من إمدادات الخام العالمية.
خسائر فادحة واضطراب في الحركة التجارية العالمية
أدت أزمة السفينة العالقة في قناة السويس منذ أيام، إلى إرباك كبير في التجارة العالمية، فيما تُلحق الأزمة يوما بعد يوم خسائر فادحة بمصر.
وتشكل قناة السويس أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، إلى جانب السياحة وصادرات الغاز، إن لم يكن أهمها على الإطلاق.
ويبلغ متوسط دخل مصر اليومي من القناة حوالي 15 مليون دولار.
وخلال العام المالي 2019/ 2020، حققت القناة إيرادات بلغت نحو 5.6 مليار دولار، وفق بيانات هيئة القناة، بانخفاض حوالي 5 بالمئة عن العام المالي 2018/2019، حين حققت القناة أعلى إيراد سنوي في تاريخها، بحوالي 5.9 مليار دولار.
لكن خطط نقل بديلة، برزت في السنوات الاخيرة، أثارت مخاوف مصر من تراجع أهمية قناة السويس في التجارة العالمية، خصوصا في تجارة النفط والغاز.
وأحد أبرز هذه الخطط، اتفاق إسرائيل والإمارات على إحياء أنبوب إيلات-أشدود الاسرائيلي لنقل نفط الخليج إلى شرق آسيا، وأيضا خطط إسرائيل مع كل من اليونان وإيطاليا وقبرص الرومية، لبناء أنبوب لنقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا.
وأقرت مصر بأن هذه الخطط، ستقلل تجارة النفط عبر قناة السويس بنحو 16 بالمئة.
الحادثة أدت إلى تعطل 206 سفن على مدخلي القناة كما بدأت عديد السفن في تحويل مسارها بعيدا عن القناة، وسجلت تغييرات في جداول التحميل والتسليم.
ورغم مبادرة الشركة المالكة للسفينة “شو كيسن” اليابانية للاعتذار عن حادثة قناة السويس، إلا أن هناك تقديرات بأن تواجه الشركة مطالب بتعويضات ضخمة من مشغلي السفن المتعطلة، وتلك التي ستجبر على تغيير خططها ومساراتها، وكذلك من موردي ومستوردي البضائع المحملة على متن هذه السفن.
وليس واضحا حتى الآن حدود مسؤولية السلطات المصرية في هذه الأزمة، وإن اضطرت للمساهمة في التعويضات، فإنها ستضاف إلى الخسائر المباشرة، التي تتراكم يوما بعد يوم جراء تعطل الملاحة في القناة.
وتشيرتقارير منقولة عن بلومبرغ إلى أن حركة المرور المتجهة غربا تبلغ قيمتها حوالي 5.1 مليار دولار في اليوم، وحركة المرور المتجهة شرقا تبلغ 4.5 مليار دولار تقريبا.
وحسب تقديرات تقريبية فإن تكلفة انسداد القناة تبلغ حوالي 400 مليون دولار في الساعة.
ويوم الأربعاء، كانت 185 سفينة تنتظر عبور القناة، بحسب بيانات الشحن التي جمعتها “بلومبرج” منها .Lloyd’s 165 سفينة
وحوالي 34 سفينة حاويات مستأجرة من قبل شركة “ميرسك” وخطوط الشحن الأخرى إما عالقة في القناة أو في طريقها، وفقا لشركة تتبع سلسلة التوريد.
وتشير التقارير الأولية إلى أن 10 ناقلات نفط تحمل ما مجموعه 13 مليون برميل قد تتأثر بالاضطراب، وفقا لمحلل الشحن الأول في فورتكسا آرثر ريتشر.
قالت “ريستاد إنرجي” للأبحاث إن تعويم سفينة الحاويات الجانحة في قناة السويس، إحدى أكثر ممرات التجارة العالمية ازدحاما، قد يرجئ تسليم نحو مليون طن من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا على متن عشر سفن إذا استمر توقف الملاحة لأسبوعين.
من المستفيد
يرى خبراء أن روسيا والولايات المتحدة سيكونان أكبر مستفيدين من تعطل إمدادات الغاز عبر قناة السويس.
حيث تورد روسيا الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر أنابيب، وتعمل حاليا بأقل من طاقتها الاستيعابية الكاملة
ويتوقع أن ترفع روسيا طاقة الضخ عبر هذه الأنابيب لتعويض النقص الناتج عن تأخر وصول الغاز المسال بواسطة السفن من الشرق الأوسط إلى أوروبا.
كذلك، فإن أزمة قناة السويس وتعطل إمدادات الغاز والنفط عبرها، يشكل فرصة لتحقيق حلم طالما سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقه، وهو أن تشكل بديلا لتوريد هاتين السلعتين الاستراتيجيتين إلى أوروبا بواسطة السفن، عبر الأطلسي.
روسيا تغتنم الفرصة وتروج لممرها البديل
استغلت روسيا أزمة قناة السويس للترويج لممرها البحري الشمالي، عبر التعليق بأسلوب ساخر على الأزمة المستمرة في مصر منذ أيام.
ويروج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ وقت طويل لهذا الطريق الملاحي على طول الساحل القطبي الروسي باعتباره منافساً لقناة السويس.
وبحسب وكالة الأنباء الفرنسية، عرضت شركة روساتوم الحكومية الروسية للطاقة الذرية بطريقة ساخرة ثلاثة أسباب “لاعتبار الممر البحري الشمالي بديلاً حيوياً لطريق قناة السويس.”
السبب الأول وفق ما أورد حساب روساتوم على تويتر باللغة الإنجليزية بتهكم، هو “أن ممر القطب الشمالي يوفر مساحة أكبر بكثير لرسم صور متميزة عبر استخدام السفن العملاقة”، في إشارة إلى ضيق الممر المائي في قناة السويس.
أما السبب الثاني فهو أن روساتوم باعتبارها مسؤولة عن البنية التحتية للممر البحري الشمالي فسترسل في حال علقت أي سفينة كاسحات جليد لمساعدتها.
والسبب الثالث كما أوضحت تغريدة ثالثة هو أن السفن قد تعلق في القناة لأيام.
كما نشر حساب روساتوم صورة متحركة لعربة عالقة في نفق ضيق تقودها شخصية من مسلسل (أوستن باورز) وألصقت عليها صورة السفينة التي تحمل علم بنما.
واستثمرت روسيا بكثافة في تطوير الممر البحري الشمالي الذي يسمح للسفن بالوصول إلى الموانئ الآسيوية بمدة أقل بـ 15 يوما مقارنة بالطريق التقليدي عبر قناة السويس.
وتخطط موسكو لاستخدام الممر لتصدير النفط والغاز إلى الأسواق الخارجية، خاصة وأن معظمه بات خاليا من الجليد إلى حد كبير.

 

فشل محاولات إعادة تعويم السفينة
أعلنت شركة برنالد شولت شيب المشغلة لسفينة الحاويات الجانحة مساء الجمعة 26 مارس 2021، فشل المحاولة الجديدة لإعادة تعويم السفينة رغم جهود فرق الإنقاذ.
الشركة أضافت في بيان، أنه من المتوقع جلب مزيد من المعدات؛ للمساعدة في جهود تعويم السفينة، حيث إن فريق إنقاذ هولندياً من شركة سميت سالفيدج أكد أن قاطرتين إضافيتين ستصلان، الأحد 28 مارس للمساعدة في تلك الجهود المستمرة.
هذا وتعمل الكراكات بجِد لإزالة الرمل والطين من مقدمة السفينة، وستحتاج إلى نقل ما بين 15000 إلى 20000 متر مكعب (530 آلاف إلى 706 آلاف قدم مكعب) من الرمل للوصول إلى عمق 12 إلى 16 متراً (من 39 إلى 52 قدماً)؛ مما قد يسمح للسفينة بالطفو، حسبما قالت هيئة قناة السويس يوم الخميس 25 مارس.
كما توجد الآن جرّافة شفط متخصصة مع السفينة وستبدأ العمل قريباً. ويمكن لهذه الجرّافة نقل 2000 متر مكعب من المواد كل ساعة.
وفي حال طالت الأزمة، وهو ما توقعه بيتر بيردوفسكي، الرئيس التنفيذي لشركة “بوسكاليس” المشاركة بعملية تعويم السفينة، حين قال للتلفزيون الهولندي، الخميس، فإن عملية تعويم السفينة قد تستغرق أياما أو أسابيع.
ويعني طول الأزمة، تأثر جداول تسليم البضائع في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك عدد كبير من شحنات النفط والغاز، الأمر الذي يهدد بموجة ارتفاع في الأسعار.
لكن خبراء يقللون من تبعات الأزمة في قناة السويس على الأسعار العالمية، جراء انخفاض الطلب بسبب القيود والإغلاقات التي فرضتها جائحة كورونا.

فهل يشهد العالم ازمة تجارية في الأيام القادمة ام ان تظافر الجهود الدولية وتدخل كبرى شركات الإنقاذ في العالم ستنجح في حلحلة الوضع وضخ الدماء في شرايين قناة السويس من جديد.

 

0 تعليق

قد يعحبك أيضاً

دع تعليقاً

ياستخدامك لهذا النموذج أنت توافق على حفظ بيناتك في هذا الموقع

هذا الموقع يستخدم ما يسمى الكوكيز لتأمين أفضل خدمة لكم في زيارتكم لموقعنا، معظم المواقع الكبرى تستخدخ هذه التقنية موافق قراءة المزيد

Privacy & Cookies Policy