سوريا تعيد هندسة معادلة الأمن الحدودي مع اسرائيل

فرات بوست: أخبار | رأي


مفاوضات مع إسرائيل وشبكة أمان إقليمية

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

لم تعد المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية مجرد قناة دبلوماسية لاحتواء التصعيد، بل باتت جزءاً من عملية أوسع لإعادة تعريف موقع سوريا في معادلات الأمن الإقليمي. فدمشق تبدو اليوم أمام محاولة للانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التوازن، عبر فتح مسار تفاوضي لا يعني التنازل عن السيادة، بقدر ما يعني البحث عن قواعد جديدة تمنع تحويل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة للاعتداءات والتجاذبات الإقليمية.

تصريحات وزير الخارجية أسعد الشيباني يمكن قراءتها في هذا السياق. فإبقاء باب التفاوض مفتوحاً ، رغم تعقيدات المشهد، يعكس رغبة سورية في إعطاء المسار الدبلوماسي فرصة قبل الانزلاق إلى خيارات أكثر كلفة. وهنا تكمن النقطة الأهم: دمشق لا تفاوض على سيادتها، وإنما تحاول أن تجعل السيادة السورية أساساً لأي تفاهم أمني قادم.

المفاوضات، في الحسابات الاستراتيجية، لا تعني بالضرورة وجود ثقة بين الأطراف. أحياناً تكون الدبلوماسية هي الأداة التي تُستخدم لإنتاج قواعد تضبط سلوك الخصم في ظل غياب الثقة. ولذلك فإن نجاح المسار السوري لن يُقاس بمجرد استمرار الاتصالات، وإنما بقدرته على إنتاج ترتيبات أمنية واضحة، قابلة للتحقق والرقابة، تتضمن وقف الاعتداءات ومنع التصعيد وآليات واضحة للتعامل مع أي خرق.

فالسلام المستدام لا يُبنى على النوايا وحدها، وإنما على الضمانات وآليات المراقبة الدولية وتوازن المصالح الاقليمية

ومن هنا يمكن القول إن أمام دمشق فرصة حقيقية، وإن كانت غير مضمونة، لنقل العلاقة مع إسرائيل من منطق الضربة والرد إلى منطق القواعد والضمانات. وإذا تمكنت من تحويل التفاهمات السياسية إلى اتفاق أمني واضح وقابل للرقابة، فإن وقف الاعتداءات يمكن أن يتحول من مطلب سياسي إلى واقع قابل للاستمرار.
لكن قراءة المفاوضات مع إسرائيل بمعزل عن التحولات الإقليمية ستكون ناقصة. فإذا صحت المعطيات المتعلقة ببحث دمشق في الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، فإننا أمام إعادة تموضع سورية أوسع من الملف الإسرائيلي نفسه.

سوريا، وفق هذه القراءة، لا تريد أن تدخل المرحلة المقبلة وهي مكشوفة استراتيجياً أو مرتبطة بمحور واحد، وإنما تبحث عن شبكة من الشراكات والضمانات الإقليمية. وهذا يعني أن دمشق تحاول إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني: أمن لا يقوم على الارتهان لقوة واحدة، ولا على الدخول في مواجهة مفتوحة مع قوة أخرى، بل على بناء شبكة علاقات تجعل القرار السوري أكثر استقلالاً وقدرة على المناورة.

وهنا تصبح الرسالة إلى إسرائيل واضحة: التفاوض مفتوح، لكن سوريا لن تقبل أن تكون مكشوفة استراتيجياً.

أما الرسالة إلى الإقليم فهي أن دمشق تريد العودة إلى منظومة الأمن الإقليمي باعتبارها دولة فاعلة، لا ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المختلفة.

وبالنسبة إلى واشنطن والغرب، فإن هذا المسار يمكن أن يُقرأ بوصفه محاولة سورية لبناء توازنات إقليمية مسؤولة، بعيداً عن الارتهان لمحور واحد. وهذا من شأنه، إذا نجح، أن يمنح دمشق مساحة أوسع في إدارة علاقاتها الدولية والتفاوض من موقع أكثر توازناً.

إن ما يجري، في جوهره، ليس مجرد مفاوضات سورية ـ إسرائيلية، ولا مجرد بحث عن شراكة إقليمية جديدة، بل هو جزء من سؤال استراتيجي أكبر: كيف تعيد سوريا بناء أمنها الوطني بعد سنوات تحولت فيها إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟

الإجابة تبدو في ثلاثة مسارات متوازية: دبلوماسية تمنع الحرب، ترتيبات أمنية تحمي السيادة، وشراكات إقليمية تمنع العزلة.

دمشق اليوم لا تبحث عن حليف يحارب عنها، ولا عن خصم تتصادم معه؛ إنها تبحث عن منظومة توازن تجعل الاعتداء على سوريا أكثر كلفة، والتفاوض معها أكثر فائدة.

وهنا قد يكون التحول الأهم في السياسة السورية الجديدة: الانتقال من سوريا التي كانت تُدار عبر صراعات الآخرين، إلى سوريا التي تحاول إدارة توازناتها بنفسها.

فالمعادلة المقبلة ليست سلاماً بلا قوة، ولا قوة بلا دبلوماسية؛ بل قوة تفاوضية تُبنى من السيادة، والشراكات، والضمانات، والقدرة على إدارة التوازنات.