الحركات الجهادية.. مسار الصعود إلى الساحة العالمية

by Euphratespost

* لارا موسى

 

خلال فترة الخمسينيات والستينيات، أي في ذروة الصراع بين الأنظمة القومية والمحافظة، سعت المملكة العربية السعودية إلى توظيف السلفية كشريك أساسي في بناء نظامها السياسي والديني، ففتحت أبوابها لجميع العلماء والدعاة والمفكرين الإسلاميين، ومنها بدأت تتشكل جذور ما يسمى بتيار الصحوة، أخذ هذا التيار يتوغل في الوسط الإخواني السلفي، خاصة بعد استقطاب السعودية للمفكرين السلفيين في كل من سوريا ومصر للتدريس، والعمل الفكري ضد التيار القومي، وقد لعب الوافدون الجدد دوراً هاماً في بنية الجيل السعودي الفكرية، وإنشاء نواة للفكر الصحوي في تلك المرحلة.

كان من أهم الأسماء التي برزت حينها، السوري محمد المجذوب (1907 – 1999)، السوري محمد المبارك (1912 – 1982)، المصري علي جريشة (1935 – 2011)، المصري محمد قطب (1919 – 2014)، والسوري سعيد حوى (1935 – 1989)، وغيرهم الكثير من الدعاة الجهاديين الذين تطول بهم القائمة.

يقول محمد أبو رمان في كتابه “الصراع على السلفية” إن “تجمع السلفية في المملكة وضع البذور الأولى لأجيال جديدة من السلفيين الشباب يجمعون بين العقائد والأفكار الدينية السلفية والأفكار الحركية لدى الجماعات الإسلامية المختلفة”.

نشأة التنظيمات الجهادية عالمياً

في بداية السبعينيات بدأت جماعة “أنصار السنّة المحمدية” بنشر كتب ابن تيمية، ومؤلفاته التي أثرت بصورة منقطعة النظير في فكر شباب جماعات الجهاد، لتصبح فيما بعد من أهم المصادر التي يستمدون منها آلية قتال الكفار، ومع نهاية السبعينيات.

بداية الثمانينيات كان الصعود الأبرز للتيار السلفي الجهادي على حساب التيار السلفي الإخواني الرائج في السعودية، وفي مصر تحديداً، تشكلت مجموعات جهادية تهدف إلى قلب أنظمة الحكم في العالم العربي. فبدأت أفكار المدرسة القطبية التي تزعمها محمد سرور زين العابدين (1938 – 2016)، ومحمد قطب، تلقى انتشاراً واسعاً بين أوساط السلفية الشابة، حيث أسس زين العابدين في لندن المنتدى الإسلامي، ولاحقاً أصدر مجلة “السنّة”، بينما تولى محمد قطب مهمة الامتداد بفكر أخيه سيد قطب (106 – 1966) مع إضفاء الصبغة السلفية بما يعرف بـ”القطبية الجديدة”.

يذكر محمد عبد السلام فرج في كتابه المعنون بـ”الفريضة الغائبة” عن تلك الحركات أن المسلمين يلتزمون بكثير من الفرائض الدينية، لكنهم غيبوا فريضة أساسية وهي الجهاد، داعياً في الكتاب نفسه إلى أولوية قتال “العدو القريب”، والذي قصد به الأنظمة الحاكمة في الدول ذات الغالبية المسلمة “على قتال الأعداء الخارجيين، أو «العدو البعيد»”.

وأشار محمود محمد الأحمد في كتابه “تطور مفهوم الجهاد” إلى أن فكرة الجهاد بنيت على عدم كفاية النطق بالشهادتين، وإنما إرفاقهما بالعمل والالتزام بالقوانين الإسلامية، والدفاع عن الجماعة، والدولة والشريعة، وإن لم يحقق المسلم هذه الأفكار فيعد كافراً في نظر الجماعة، ويعد الجهاد لإزالته واجباً دينياً كجهاد الكفار.

كان نشاط الجهاديين في تلك الفترة بمثابة انقلاب على الأنظمة الحاكمة فقد اغتال، (الجهاديون) الرئيس المصري محمد أنور السادات عام 1981، ونتيجة ذلك اضطر أغلب الجهاديين للهروب خارج مصر، لتكون حينها أفغانستان المساحة الأكثر أماناً لهم، وفيما بعد تحولت أفغانستان إلى ساحة للجهاد، وأخذت تستقطب الجهاديين من جميع أنحاء العالم للقتال ضد الاتحاد السوفييتي، وقد وجدت فتوى عبد الله عزام (1941 – 1989) بأن الجهاد “فرض عين” على أي مسلم، إذا ما احتلت أي أراض مسلمة قبولاً في الفكر الإسلامي الشبابي.

فيما بعد أخذت الأفكار الجهادية تطور نفسها بواسطة قياديها، فقد أخذت الشخصيات القيادية على الساحة الأفغانية تطالب بتعزيز بنية الجهاد، وإقامة قاعدة له في أفغانستان، وبدأت فكرة الجهاد العالمي، تشكل عنواناً رئيسياً لنشاط القاعدة، وبعد النصر على الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وحادثة اغتيال مُنظّر الأفغان العرب، وأبيهم الروحي “عبد الله عزام”،  لم تعد أفغانستان مكاناً آمناً للجهاديين الأفغان العرب، فبدأ الجهاديون يعودون إلى أوطانهم حاملين معهم أفكارهم العقائدية الجهادية، وخبرتهم القتالية، فعمل بعضهم على تشكيل مجموعات مسلحة، ومنهم ممن أقبلوا على إعادة التجربة الجهادية في أماكن أخرى، فشاركوا في القتال داخل البوسنة، وطاجيكستان، والشيشان.

كانت حركة طالبان في هذه الأثناء قد سيطرت على معظم ولايات أفغانستان، حيث أعلنت قيام الإمارة الإسلامية وبدأت باستقطاب المجاهدين مع عائلاتهم، وكان منهم الجهادي العالمي أسامة بن لادن (1957 – 2011) الذي أصبح فيما بعد أبرز رموز الجهاد العالمي، تحالف الأخير مع أيمن الظواهري وأنصاره، وبدأ البث الجهادي يأخذ بالانتشار مسفراً عن إعلان “الجبهة العالمية لجهاد اليهود والصليبيين” خلال عام 1998.

وبدأ وقتها ما يعرف بـ”الجهاد العالمي” للقاعدة، وفي العام ذاته، فجر عناصر من التنظيم المشكل حديثاً سفارتي الولايات المتحدة في كل من كينيا وتنزانيا، وبعدها بثلاثة أعوام فجروا المدمرة الأميركية “كول” على سواحل اليمن، وبدأ أسما الظواهري وبن لادن يصعدان في سماء الساحة العالمية.

يتحدث الظواهري في بيانه “حكم من لم يحكم بما أنزل الله” واصفاً أنظمة الحكم العربية بـ “الأنظمة المستبدلة خارجة عن الملة الإسلامية” بسبب “استهزائها بالشريعة، وحكمها بالديمقراطية واستحلال الحرمات وتحريم الحلال”.

صعود التنظيمات الجهادية في العالم العربي

منذ عام 2008 بدأ تنظيم القاعدة بنشر فروعه في العالم العربي، ففي العراق أصبح تنظيم القاعدة يعرف باسم “الدولة الإسلامية في العراق”، وفي اليمن اتحد جهاديو البلاد مع نظرائهم من السعودية تحت مظلة “القاعدة في جزيرة العرب”، وبايع جهاديو الجزائر تنظيم القاعدة، وغيروا اسم التنظيم إلى “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، ووسعوا نشاطهم لدول الساحل جنوب الصحراء الأفريقية، كما أن “حركة الشباب المجاهدين” الصومالية، انضمت للقاعدة لاحقاً، بعد مقتل بن لادن، في عملية أمريكية خاصة تابعها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مباشراً عبر التلفاز.

لكن قبل ذلك أعلن أبو مصعب الزرقاوي (1966 – 2006) في العراق عام 2004 تأسيس “جماعة التوحيد والجهاد” إثر الاحتلال الأميركي للأراضي العراقية، أعلن الزرقاوي عام 2006 مبايعة جماعته لتنظيم القاعدة قبيل مقتل بن لادن، وبدل اسم تنظيمه لـ”تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين”، وبعد مقتله منتصف 2006 أعلن التنظيم قيام “الدولة الإسلامية في العراق”، إلا أن سلسلة من العمليات العسكرية الناجحة قضت على العديد من قادة التنظيم، ورغم ذلك في 2010 تولى الحكم أبو بكر البغدادي.

ومع بدء الانتفاضة السورية في آذار/ مارس عام 2011، بدأت تظهر على الساحة العديد من الجماعات الجهادية والإسلامية، وهي الجماعات التي تتراوح بين ما هو معتدل نسبياً يهدف لإرساء الشريعة في البلاد، وما هو متطرف ينتمي لتنظيم القاعدة، وقد أعطى القمع الذي يحدث في سوريا للحركات الاحتجاجية الفرصة للسلفية المسلحة بالظهور والانتشار بطريقة لم تحدث من قبل في أوساط السلفيين والإسلاميين.

بداية الخلاف بين التنظيمات الجهادية

بحسب الدراسة التي قدمها محمد رشدي شربجي فقد سعت القاعدة إلى تغيير استراتيجيتها مع انطلاق الربيع العربي، إذ اعتمد النهج الجديد على مفهوم “الأنصار”، ويعني جذب السكان المحليين إلى إيديولوجية القاعدة عبر تحويل مطلب تحكيم الشريعة من عمل نخبوي إلى عمل شعبوي يمزج بين المدني والعسكري، ويدمج المحلي بالعالمي، ومع دخول الثورة آفاق العسكرة، وبدء بوادر التسلح عمدت القاعدة إلى الاستثمار في الحالة السورية، فبدأ الجهاديون بالتوافد إلى هناك بتنسيق مع تنظيم القاعدة المركزي، وبإشراف مباشر من الفرع العراقي دون الإشارة إلى علاقته بالمركز.

أما في سوريا فقد أعلن رسمياً عن تأسيس “جبهة النصرة لأهل الشام” بقيادة أبي محمد الجولاني بتاريخ 24 كانون الثاني/ يناير 2012، مع أن التنظيم كان موجوداً منذ تموز/ يوليو 2011 من خلال بضعة أفراد، فقد قدم الجولاني مشروعاً لأبي بكر البغدادي يتكون من أربعين صفحة لبدء العمل الجهادي في الشام، وبناءً عليه تم تشكيل “مجلس شورى الجبهة”، الذي ضم في عضويته كلًا من الجولاني والبغدادي.

عانى التنظيم منذ نشأته من التباسٍ في الهوية، بين الفرع العراقي الذي قاتل الجولاني في صفوفه لسنوات، وكان عضوًا فيه من جهة، والذي لم يكن مهتمًا بنهج القاعدة الجديد، فضلًا عن اختلافهم القديم، وتطورات المشهد الجهادي السوري، الذي يقترب بفصائله الجهادية السورية من نهج القاعدة الجديد، من جهة أخرى. ولكن مع ذلك كانت الخلافات تتسع بين التنظيم والجبهة، نظرًا لاختلاف المنهج والسلطة المرجعية عند التنظيمين، وعندما فشلت محاولات احتواء الخلاف بادر أبو بكر البغدادي في 9 نيسان/ أبريل 2013 إلى الإعلان عن ضم النصرة إلى دولته، معلناً نشوء “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

وفي اليوم التالي أعلن الجولاني رفض بيعة البغدادي، وجدد بيعته لزعيم القاعدة أيمن الظواهري، مطالباً إياه بأن يكون حكماً في فصل الخلاف بينهما؛ قرر الظواهري بعد شهرين في 9 حزيران/ يونيو 2013، فصل الجبهة عن الدولة، وإبقاء كل منهما في نطاقه الجغرافي، رد عليه البغدادي بعد أسبوع بكلمة مسجلة يرفض فيها الحكم، وخلال فترة قصيرة اكتسبت جبهة النصرة سمعةً كبيرةً، لدى أفضل المنظرين الجهاديين في العالم، ودعا المناصرون حول العالم إلى المساعدة في تمويل الجماعة، أو الانضمام لها، حيث بدأت الجبهة نشاطها بأكثر من ستة آلاف مقاتل، معظمهم سوريون بقيادة الجولاني الذي ترأس الذراع التدريبي الجهادي للجماعة، لم تنتظر الولايات المتحدة طويلاً على محاولات جبهة النصرة التعمية، فأدرجتها على قائمة الإرهاب في 11 كانون الأول/ ديسمبر 2012، وهو الأمر الذي قوبل باستياء كبير حينها من المعارضة السورية والناشطين ووسائل الإعلام السورية.

واعتباراً من هذا التاريخ أخذ الصراع بين التنظيمات الجهادية في سوريا منحىً مختلفاً، بعدما تحول لمرحلة شقاق، وصراع على النفوذ، حيثُ شن تنظيم الدولة الإسلامية هجمات مختلفة بالسيارات المفخخة استهدف فيها مقاراً لجبهة النصرة أو فصائل المعارضة السورية على مختلف توجهاتها الأيديولوجية، لكن يبقى في مقدمة ذلك الصراع على السلطة بين التنظيمين الجهاديين اللذين كانا حتى وقت قريب يومها لا يزالان يتبعان لتنظيم القاعدة.

0 تعليق

قد يعحبك أيضاً

دع تعليقاً

ياستخدامك لهذا النموذج أنت توافق على حفظ بيناتك في هذا الموقع

هذا الموقع يستخدم ما يسمى الكوكيز لتأمين أفضل خدمة لكم في زيارتكم لموقعنا، معظم المواقع الكبرى تستخدخ هذه التقنية موافق قراءة المزيد

Privacy & Cookies Policy