أماه لا تسامحينا..

by Euphratespost

في الأيام الأولى لثورة الكرامة، وبينما كانت شريحة كبيرة من الناس تراقب ما يحدث على الساحة السورية، آثر أبطالٌ سوريون إلا أن يقدموا أرواحهم فداءً لوطنهم، ودفاعاً عن المظلومين، رغم أنهم يعرفون ما قد يحل بهم وبذويهم من غدرٍ وانتقام لنظام الأسد وأدواته، لم يترددوا واتخذوا القرار الحاسم، منهم من بقي معنا ومنهم من فارقنا وبقيت ذكراه.

نفتخر بهم وبتضحياتهم، ونبحث عن كل ما يذكرنا بهم، أقاربهم، أبنائهم، صورهم وكل ما يتعلق بهم، ونشعر بالفخر عندما نستذكرهم، وبالطبع لسنا وحدنا بل تضحياتهم وبطولاتهم هي ملاحم سيخلدها التاريخ.

كان من أولئك الأبطال “خليل البورداني” ابن دير الزور، الإنسان المثقف الرزين، الحاصل على شهادة الماجستير في اللغة الإنكليزية، ذو الخلق الطيب والشعبية الواسعة بين أهالي المحافظة، من أوائل مؤسسي الجيش السوري الحر في دير الزور، ومن القلة القليلة الذين ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة السورية، جازفوا بأنفسهم وقاوموا عصابات الأسد الهائجة.

الاسم الذي أرعب نظام الأسد، حتى صار الحديث الدائم في كاريدورات أفرع المخابرات، حتى اغتالته يد الغدر بالقصف الجوي على مبنى النفوس بعد أن وصول معلومات لنظام الأسد من مجموعة من المخبرين تبين موقعه الذي استشهد فيه مع مجموعةٍ من قياديي الحر في السادس والعشرين من شهر أيلول من عام 2012، ليبقى اسم البورداني راسخاً في ذاكرتنا جميعاً.

دير الزور “مصنع الرجال” كانت وما تزال تستمد قوتها من نساءٍ “ولادات” أنجبن أولئك الأبطال، ومنهن والدة الشهيد البطل خليل، الحاجة حورية عبد الرحمن مرزوك، تلك السيدة الفاضلة التي علمت أبنائها الكرامة والحرية، قبل أن تشتاق لابنها البطل وتلحق به بعد رحلة مضنيةٍ من النزوح والمعاناة من المرض “والخذلان”!!

حيث بدأت رحلة نزوح عائلة الشهيد إلى محافظة الرقة، ومنها نحو عدة مدنٍ سورية، قبل الانتقال إلى دولة الإمارات التي أبعدوا منها “بسبب انتمائهم للثورة السورية”، ثم عادت والدة الشهيد إلى سوريا مجدداً، حتى نال تعب النزوح والتهجير منها، فقرر أبناؤها نقلها إلى مدينة الباب في ريف حلب، تمهيداً لنقلها إلى الأراضي التركية لتلقي العلاج، وهنا بدأت قصة طويلة عنوانها “الخذلان”.

لم يكن الشهيد البطل يعلم أن زمناً سيمر على ذويه من بعده يناشدون فيه “سفهاء القوم” من أجل أبسط حقوقهم، نعم نتحدث هنا عن “المستثورين” وما أكثرهم في وقتنا الحالي..

بعد وصول والدة الشهيد إلى الشمال السوري، بدأ أبناؤها يطلبون العون من “قادة الفصائل” للحصول على إذن دخول للأراضي التركية بقصد تلقي العلاج، ورغم أن الحكومة التركية بشكلٍ تلقائي تقبل مثل هذه الطلبات وتمنح أذونات الدخول للحالات الاستثنائية “كالمصابين، والمرضى” إلا أن هؤلاء المحسوبين “ظلماً وبهتاناً” على الثورة السورية، انقسموا بين عاجزٍ عن المساعدة ومتجاهلٍ أو رافض..

لتعود والدة البورداني أدراجها إلى مدينة الباب، مكابدةً كل أنواع السقم والعذاب، حيث مكثت في المدينة منتظرةً تحرك “نخوة” المستثورين، لكن لا حياة لمن تنادي، لينتقل آل البورداني لطلب المساعدة من مسؤولين في الحكومة المؤقتة والائتلاف وغيرها من تشكيلات “المعارضة” السياسية، لكن هؤلاء أيضاً خذلوها واستمروا بالمماطلة والاستخفاف بمعاناتها وتوزيع الوعود الزائفة.

طرق إخوة البورداني جميع الأبواب، ولم يبق “قائدٌ مقدام” ولا “سياسي مخضرم” إلا وطلبوا منه المساعدة في أمرٍ يعد من أبسط حقوق أي سوري، فما بالكم إذا ما كان خدمة إنسانية لوالدة من كان له الفضل في جعل هؤلاء “قادةٌ ومسؤولين”.

لكن والدتهم لم تنتظر حتى يصل هؤلاء جميعاً إلى حلٍ “لقضيتها المعقدة” خصوصاً بعد أن زاد من مرضها خذلان المتخاذلين، وتحطمت صور الكثير منهم أمام أعينها، بعد أن تفاجأت بمدى الجشع الذي أصابهم والنكران والفشل والعبودية، فقررت أن ترحل طوعاً إلى بارئها في مساء يوم الخميس الموافق 31 كانون ثاني من العام الجاري، بعد معاناةً دامت لأكثر من ثلاثة أشهر.

هكذا تتحطم رومنسية الأبطال على صخور الواقع، وهكذا تأكل الضباع من لحمنا، ويخذل الأبطال من كان يحلم بمشاطرتهم الحديث، هكذا بالضبط تقتل الثورة وتموت سريرياً وإن لم نتدارك من بقي من رائحة الشهداء، وإن لم نتدارك من بدأوا هذه الثورة، فعلينا وعلى ثورتنا السلام..

أماه لا تسامحيهم فقد نقضوا العهد وأعمت بصيرتهم الأموال والمناصب والشكليات، لا تسامحي من رفضوا أن يكونوا أحراراً وقرروا البقاء عبيداً، لا تسامحي الجشع فيهم ولا تسامحي الاستعلاء، وأخيراً لا تسامحينا لأننا سلمنا هؤلاء السفهاء زمام الأمور، سلمناهم رقابنا ومصيرنا ظناً منا أنها بأيدٍ أمينة، أماه لا تسامحينا..

 

اقرأ أيضا:

نهج مُريب لـ”قسد”.. وقنابل موقوتة تعج بها دير الزور والرقة
الأسد: “يا مهاجرين لا ترجعوا” وإلا!
0 تعليق

قد يعحبك أيضاً

دع تعليقاً

ياستخدامك لهذا النموذج أنت توافق على حفظ بيناتك في هذا الموقع

هذا الموقع يستخدم ما يسمى الكوكيز لتأمين أفضل خدمة لكم في زيارتكم لموقعنا، معظم المواقع الكبرى تستخدخ هذه التقنية موافق قراءة المزيد

Privacy & Cookies Policy